كيف نحافظ على المكتسبات الدعوية (زيارة فضيلة الشيخ محمد عبدي أمل الأخيرة نموذجا).

كيف نحافظ على المكتسبات الدعوية (زيارة فضيلة الشيخ محمد عبدي أمل الأخيرة نموذجا).

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد الأنبياء والمرسلين وعلى آله وصحابته أجمعين

أما بعد فإن الله تعالى قد أرسل عبده وخليله محمداً صلى الله عليه وسلم إلى الخلق كلهم أنسهم وجنهم على حين فترة من الرسل بشيرا ونذيرا ليعبد الله وحده, وظل صلى الله عليه وسلم يدعوا الخلق إلى الله حينا من الدهر حتى توفاه الله بعد أن كمل الله به الدين وأظهر به الحجة وقمع به أهل الكفر والنفاق من المشركين وأهل الكتابين من اليهود والنصارى.

وحمل هذا الدين من بعده أصحابه رضوان الله عليهم ناشرين  النور والضياء بين الأنام وجاهدوا في الله حق جهاده حتى فتح الله لهم البلاد والعباد, وهكذا ظل الحق ينتشر في الكون.

ولما كانت الدعوة السلفية دعوة حق فمن الطبيعي أن تجد مناويين لها عبر التاريخ, بصراع مرير مما يتطلب من أهلها اليقظة وعدم استرخاء.

والدعوة السلفية في الأقطار الصومالية قد نجحت نجاحاً ملموساً في وقت قياسي, وحصدت ثماراُ يانعة مع ما منيت به من النكبات المتنوعة الداخلية والخارجية.

ومما يدل على ذاك النجاح.الصورة المشرقة في استقبال الناس الشيخ محمد عبدي أمل بدءا من المنطقة الغربية الصومالية التابعة لأثيوبيا مرورا بأرض الصومال بمعظم محافظاتها: هرجيسا, بورما, جبيلي, شيخ, برعو, لاسعانود ثم منطقة بونت لاند.

ولم يكن الاستقبال قاصرا على الفئة الملتزمة فقط بل ضم جميع شرائح المجتمع حكّاما ومحكومين, صورة لم ير  لها مثيل في التاريخ الصومالي المعاصر.

شخصية عادية من المنظور  السياسي ليس وزيراً ولا رئيساً ولا شيخ قبيلة, يستقبل بمثل ذلك الاستقبال, ويتنافس فيه أصحاب الوجاهات الدنيوية, ولم يجمع له الناس بالعصي والهراوات . بالطمع والدولارات ولا القبلية والنعرات إنه منظر يحتاج إلى تأمل.

ولقد ذكرني ذاك الموقف ما ذكره أهل السير والتواريخ أن هارون الرشيد  قدم الرقّة، فانجفل الناس خلف عبد الله بن المبارك، وتقطّعت النعال وارتفعت الغبرة، فأشرفت أمّ ولد أمير المؤمنين من برج الخشب، فلما رأت الناس قالت: ما هذا؟!
قالوا: عالم أهل خراسان قدم الرقة يقال له عبد الله بن المبارك.
فقالت: هذا والله الملك،لا ملك هارون الذي لا يجمع الناس إلا بشُرَطٍ وأعوان!.

نعم إنه الملك الحقيقي يعكس الصورة الصحيحة الكامنة في مجتمعنا, مما هو  بحاجة ماسة إلى المحافظة عليه.

وكما أسلفت فإن لهذا الخير أعداءاً من المعسكرين الداخلي والخارجي وقد يزول بسبب عبث العابثين وتهور المتهورين, لذلك يتحتم علينا جميعا المحافظة عليه والضن به.

كيف نحافظ عليه؟

أولاً: تقوى الله عز وجل والعلم بأن هذا النصر هو من عند الله (وما النصر إلا من عند الله), وهكذا كان هدي النبي عليه الصلاة والسلام في انتصاراته كما كان يوم فتح مكة فإنه دخلها وهو مطأطئ الرأس مستشعرا بنصر الله له على أعدائه.

ثانيا: الحرص على العلم الشرعي تعلما وتعليما فإنه ضمان بقاء الدين بإذن الله وعصمة من الفتن والمدلهمات، وأي أمة تنكبت طريقه فبنت مواقفها الدعوية على غير علم بل بالعواطف الهوجاء فهلاكها محتوم.

وإذا كان هولاء المستقبلون للشيخ إنما استتقبلوه تعظيماً للعلم وحباً له فمن المهم أن نحرص على العلم ونشره وأن نخرّج علماء عاملين أمثال الشيخ محمد.

ثالثا: القضاء على أي فكرة من طبيعتها العبث بالمكتسبات: قبل ولادتها بالعلاج الشرعي, وبالرد عليها بلا هوادة بعد ولادتها؛ لأن التساهل بهذا الأمر يفضي إلى كوارث لا تحمد عقباها في القابل, وليس ما حصل في بعض الدول الإسلامية عنا ببعيد, ولنا تجارب سابقة في التساهل في الجبهات الداخلية.

رابعاً:  عدم الغرور والاغترار بالحشود والجماهير ثم التفكير بالانقلابات أو الانجرار إلى السياسات المتقلبة مع ضحالة فقه الواقع السياسي والأمني المحيط بمنطقتنا, إن تفكيراً ساذجاً كهذا كفيل بأن يردي الدعوة وأهلها إلى مهاوي تضر بها أيما إضرار, وهناك تجارب مريرة سابقة لبعض العاملين في مجال الدعوة. والسعيد من وعظ بغيره.

إن كلامي هذا لا يفهم منه تحريم الدخول في العملية السياسية كلا, فإني أشجع التغيير السياسي من النطاق الفردي والاقتراب إلى صناع القرار بنية الإصلاح والنصح بشرط أمن الفتنة, ذلك أن إصلاح صناع القرار دون الاطاحة بهم مدعاة للوفاق بيننا وبينهم على مبدأ التعاون, كما أحذر أشد الحذر من جر الدعوة ومكتسباتها إلى الخوض في السياسة؛ لأن في ذلك فساداً لا يقل عن فساد تجربة حمل السلاح.

والفرق بين هذا وذاك واضح بين جلي لا غبار فيه لمن تأمل في مواطن التغيير ومعاطن التخريب.

  وإنني أنادي العلماء والمشائخ إلى أن يبتوا هذه المسألة الحساسة, وأن يوضحوا للدعاة والعاملين بناءا على القواعد الشرعية والمصالح المرعية في ذلك.

 خامساً: تقوية أواصر الأخوة ومبدأ التعاون الجماعي والحذر من التشرذم والفوضى في العمل -كما ينادي به البعض هداهم الله-, واحتواء الخلافات التي تؤدي إلى تمزيق الأمة, وضياع هويتها, وإطماع  العدو  الخارجي فيها.

سادساً: الوعي في المحيط وعدم الدروشة في الأمور الدعوية المستقبلية، وذلك بوضع دراسات مستقبلية تكون بإذن الله سياجا منيعا للدعوة من المعسكر الخارجي.

أسأل الله تعالى أن يحفظ لنا ديننا ويعصمنا من الفتن والشرور, وأن يديم علينا نعمه.

وصلى الله وسلم على عبدالله ورسوله محمد وعلى آله وصحابته أجمعين.

                             كتبه الدكتور/ فيصل بن محمد بن علي

  
X